أبي حيان الأندلسي

57

البحر المحيط في التفسير

سحابة . ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ أي بين أجزائه لأنه سحابة تتصل بسحابة فجعل ذلك ملتئما بتأليف بعض إلى بعض . وقرأ ورش يولف بالواو ، وباقي السبعة بالهمز وهو الأصل . فيجعله رُكاماً أي متكاثفا يجعل بعضه إلى بعض ، وانعصاره بذلك مِنْ خِلالِهِ أي فتوقه ومخارجه التي حدثت بالتراكم والانعصار . والخلال : قيل مفرد . وقيل : جمع خلل كجبال وجبل . وقرأ ابن مسعود وابن عباس والضحاك ومعاذ العنبري عن أبي عمرو والزعفراني من خلله بالإفراد ، والظاهر أن في السماء جبالا من برد قاله مجاهد والكلبي وأكثر المفسرين : خلقها اللّه كما خلق في الأرض جبالا من حجر . وقيل : جبال مجاز عن الكثرة لا أن في السماء جبالا كما تقول : فلان يملك جبالا من ذهب ، وعنده جبال من العلم يريد الكثرة . قيل : أو هو على حذف حرف التشبيه . و السَّماءِ السحاب أي مِنَ السَّماءِ التي هي جبال أي كجبال كقوله حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً « 1 » أي كنار قاله الزجاج ، فجعل السماء هو السحاب المرتفع سمي بذلك لسموه وارتفاعه . وعلى القول الأول المراد بالسماء الجسم الأزرق المخصوص وهو المتبادر للذهن ، ومن استعماله الجبال في الكثرة مجازا قول ابن مقبل : إذا مت عن ذكر القوافي فلن * ترى لها شاعرا مني أطلب وأشعرا وأكثر بيتا شاعرا ضربت له * بطون جبال الشعر حتى تيسرا واتفقوا على أن مِنْ الأولى لابتداء الغاية . وأما مِنْ جِبالٍ . فقال الحوفي : هي بدل من السَّماءِ ثم قال : وهي للتبعيض ، وهذا خطأ لأن الأولى لابتداء الغاية في ما دخلت عليه ، وإذا كانت الثانية بدلا لزم أن يكون مثلها لابتداء الغاية ، لو قلت : خرجت من بغداد من الكرخ لزم أن يكونا معا لابتداء الغاية . وقال الزمخشري وابن عطية : هي للتبعيض فيكون على قولهما في موضع المفعول لينزل . قال الحوفي والزمخشري : والثانية للبيان انتهى . فيكون التقدير وينزل من السماء بعض جبال فيها التي هي البرد فالمنزل برد لأن بعض البرد برد فمفعول يُنَزِّلُ مِنْ جِبالٍ . قال الزمخشري : أو الأولان للابتداء والأخيرة للتبعيض ، ومعناه أنه ينزل البرد من السماء من جبال فيها انتهى . فيكون مِنْ جِبالٍ بدلا مِنَ السَّماءِ . وقيل : مِنْ الثانية والثالثة زائدتان وقاله الأخفش ، وهما في موضع نصب عنده

--> ( 1 ) سورة الكهف : 18 / 96 .